logo

26 أكتوبر 2013

الفيلم الأردني ” الكابتن أبو رائد ” نقلة نوعية في التكنيك والخطاب / بقلم الناقدة د. رنا السعودي


عام 2007م أنتج القطاع الخاص الأردني فيلمه الذي حمل عنوان ” الكابتن أبو رائد ” ، كنت أهرب دائما من مشـــاهدة أي فيلم عربي لأن ذاكرتي تغص ومثقلة بالأفلام العربية الهابطة مما جعلني اتخذ قراري هذا وأنأى بنفــــسي عن الخوض في متابعة ما يمكنني تســــــــميته ” سـم البدن ” إلا إنني  بعد حـوار مع الفنان الأردني  غاندي صابر الذي أكد بدوره لي أنني سأشــــــاهد الآن شيئا مختلفا عما سبق ، وأرسـل لي روابط الفيلم وبدأت بمشـــــــاهدته غير آبهة بما يمكن أن أجد أو أحاذر منه ، وقلت بنفسي هي ساعة أتحمل فيها آلام مخاض جديدة .
الفيلم من تأليف وإخراج : أمين مطالقه .
hالكابتن أبو رائد 1بطولة : نديم صوالحه . رنا سـلطان . غاندي صابر . حسين ألصوص . عدي قديسي
حائز على جوائز عالميه أهمها مهرجان ســندانس “أميركا  “وعرض بأميركا والآن يعرض في بريطانيا وليس للمرة الأولى وقد حائز على عشرين جائزة وترشـــــــــح للأوســـــكار أيضآ وحتى بمهرجان دبي للسينما وهي أول جائزة للفيلم .
 
قصة الفيلم باختصار:
الرجل العجوز أبو رائد ، عامل نظافة في المـــطار لكنه مثقف يحب القراءة ، يحب أهل حارته وكل الناس في الوطن ، فقد ابنه بحادث مأساوي ثم زوجته ، وبقى وحده يخاطب صورة زوجته كل يوم ،
 يرمي أحد طاقية كابتن الطائرة في حاوية النفايات التي ينظفها ، يتناولها ويمســـح الأوساخ عنها ، ثم يحتفظ بها ليرتديها فيما بعد .
ينتبه الولد طارق إليه فيعجبه ، فيتبعه وهو يسأله عن عمله ويصر على أنّ آبا رائد يعمل طياراً ، ينفي أبو رائد ذلك ، يجمع طارق كل أولاد الحارة بعد إخبارهم بعمل أبي رائد كطيار ، يذهب الجميع إلى بابه و يطالبونه برواية القصـــص عن رحلاته إلى بلدان العالم ، إلا انه يطلب منهم الذهاب إلى بيوتهم نافيا أن تكون وظيفته طيار ، يغلق الباب في وجوههم .
يحس أبو رائد انه صد الأطفال ، وأنه كســــــر بخاطرهم ، يحاول اللحاق بهم حيث يلعبون الكرة ، فيجمعهم ويبدأ يحدثهم عن حكايته كطيار بادئا كلامه بالجملة المعتادة في القص :” كان يا ما كان في قديم الزمان “، ويبدأ بالإبحار بخيالهم بالقصـــــــص ، فيضحكون ويمرحون وهم في قمة السعادة ، ثم يتركهم يحلمون أن يكونوا طيارين
إلا أن ولداً مشاكساً اســــمه ” مراد ” يقتحم أثناء ذلك الحلقة ويواجه أبا رائد بحقيقته أمام الجميع بحكم معرفته به كونه جاره القريب ، فيتهم أبا رائد بأنه كاذب .
الكابتن أبو رائد2وفي يومٍ يأخذ مراد الأولاد على حسابه – بعد أن يسرق مبلغا من والده –  في رحلة إلى المطار يكشـــف من خلالها حقيقته انه عامل نظافة ، يصدم الأولاد عندما يروه أمامهم راكعاً وينظف بلاط المطار ، لكن أبو رائد يبقى هادئا .
يحاول أبو رائد أن يحل مشاكل الحارة ، فهو إنسان يتألم لما يســــــــمعه من خلف الأبواب المغلقة وهو مار ، ويعلم ما يدور من مشاكل فيها .
من جهة أخرى يســـــلط الضوء على الطيارة نور وهي ابنة ثري ، ولدت في بيئة هادئة . يحاول أبوها أن يزوجها لثري لكنها ترفض ، وصلت سن الثلاثين وهي لا ترغب بالزواج بطريقة آبيها التقليدية .
 تتعرف نور على أبي رائد من خلال استماعها له وهو يتحدث مع السائحين بجميع اللغات ، تندهش لطريقته بالكلام التي توحي بأنه مثقف ، وبعد انتهاء الدوام تتعطل سيارتها مما يضطرها الركوب بحافلة الموظفين فتجد بجانبها آبا رائد ، يقرأ بكتاب، فتتجرأ وتسأله عما يقرأ ، فيجيبها ، “موسم الهجرة إلى الشــــــمال ” ، تعجب به ، وتجري معه حوارا جميلا يعزز على إثره من صداقتها به .
تواجه أبو رائد مشـــكلات بالحارة , ويحاول حلها بطريقته , فهذا الطفل طارق الذكي يغادر مدرسته بطلب من والده كي يساعده في مصاريف البيت , فيعمل جاهدا لعودته إلى دراسته لكنه يفشـــــل , ويحاول التدخل بين أبي مراد وعياله لوقف اعتدائه على زوجته وأولاده بالضرب , لكنه يفشل .
الكابتن أبو رائد 3يستعين بصديقته نور الثرية لوضع حلٍ لعنف أبو مراد , فيتفقان على تهريب الأسرة من بطش الزوج , فتأخذ نور العائلة معها إلى القصـــر الذي تسكنه , ويبقى أبو رائد في بيت أبي مراد الذي عاد فلم يجد أســــرته فيهدد أبي رائد بالضرب إن لم يعترف أين عائلته , فيقضي عليه .
ثم نرى الطفل مراد يحمـــل طاقية أبي رائد ويحلم باليقظة أنه أصبح طياراً , ويمرُّ الزمان وإذ بالطفل مراد أصبح كابتن طيار , ممســــــــكا بالقبعة ويدعونه لصعود الطائرة .
حكايةٌ مختصـــرة فيها تفاصيل كثيرة تجبرنا على التعامل مع الحدث والانفعال معه بطريقة سلسة , يستخدم فيها المخرج كل طاقته الصورية ليوصل أهدافاً يريد لنا أن نتفكر فيها .
الرموز في الفيلم :
التجربة الثرية تصنع الإنسان , والمطالعة نافذةٌ للمعرفة هذا ما كان عليه أبو رائد الإنسان , الذي يحب الآخرين ويعمل جاهداً على تقديم يد المســــــاعدة لمن حوله بمبادرةٍ منه .
زرع الأمل في نفوس الصغار ليحلمون بغدٍ أفضل والتشبث بمســتقبلهم الذي هو عصمةٌ لهم من الفقر والحاجة .
مشكلات المجتمع المترف المنحصر في المحافظة على الثروات باختيار أزواج بناتهم و أبنائهم , وعدم إتاحة المجال أمام الأبناء في الاختيار .
عدم الوقوف متفرجاً أمام أيِّ مشــكلة والمبادرة بوضع حلولٍ لهال بقدر المتاح للإنسان أن يفعل مستنفذاً كل طاقاته .
بالأخلاق والمعرفة نواجه الجهلَ , ونحاصر الجاهلين حتى لو دفعنا أرواحنا مقابل ذلك وعدم الاستكانة والمشاهدة فقط .
للصورة حكايةٌ أخرى :
تأخذنا الصورة إلى ما لم يســـتطع القلم والســــرد الشفوي نقله , عمد المخرج إلى التعامل مع الكاميرا بطريقة واعية , فهو يدرك تماماً أن للعين شـــــــغفها بملاحقة المشهد الكلي للصورة فنراه يحركها بطريقة اتسمت بالبطء أحياناً وبسرعةٍ معقولةٍ حسب النسيج الكلي لوضعه للنص , فنراه ينقل الجمال من مناطق عدة منتهزاً عدم معرفة معظم المشاهدين للأماكن التي تم فيها جمع كادره في إطار نكاد نصدقه مع التحامنا بســــــرد الحدث , فهو ينقلنا إلى الآثار في الأردن حيث يلعب الصبية في ساحتها وكأنها ساحة في الحارة ومتاحة لهم في أيِّ وقت للعب فيها .
يســــــــــكن بطل القصة في مكانٍ استراتيجي يطل على مدينة عمان القديمة  ولبيته “تراس” إن جلس فيه فهو يرى سحر عمان بمبانيها الجبلية القديمة المتراصة وكأنها سلسلة من الجواهر العتيقة .
تتنقل الكاميرا في مدينة عمان الغربية الأخاذة بجسورها ومبانيها وأبراجها الضخمة ليقول لنا هذه عمان الجديــــــدة , وأنها تجمع ما بين التراث الأصيل وما بين الجديد الذي يحاكي المدن الغربية فيها .
يجول بنا في صحرائها بلون ترابها الذهبي الذي يدهش النظر عند مشاهدة ذلك , واضعا أغنية للمطرب عمر العبداللات ذات الصبغة البدوية الجميلة .
يسير بنا على درجات عمان في أحيائها القديمة الجبلية بطريقة الرسام الذي يختار زوايا لوحته بعناية ليظهر بعدا جميلا في الصعود والهبوط لشخوصه .
يدور في مطار عمان , ليظهر جمال التصميم وحداثته ورقي المشهد فيه .
زوايا المشاهد ورمزية الدلالة :
الكابتن أبو رائدلم تقتصر الصورة على تقديم مشهدٍ كلاســـــيكي بقدر ما وظفها بعناية عند الحاجة لإظهار معنى يريد أن يقوله لنا , فهو يقتطع أحيانا جزءا من الوجه لتحـــكي العيون ما يمكن أن تقوله , وأحيانا الجســـد المظلل وكأنه مارد يقف أمامنا بثباتٍ وبإصرار لينقل إلينا حساً رائعاً في توضيح فكرته بالثبات على الحقِّ وعدم الانكسارِ أمام واقع يمكن أن يثبط همة البطل في مواصلته لحل المشكلات .
كثيرا ما رأينا في الصورة أقدام تسير ببطء ولكن بعزم أثناء صعود البطل الدرجات ونزوله قابضاً بيده الكتاب رمز المعرفة , ويقرب الصورة في أحايين كثيرة ليظهر ابتسامة البطل الصفراوية المتفائلة .
يقتطع المخرج أجزاء من الصـــــــــورة أحيانا لينفرد البطل في الظل واضعا الكادر جميعه في الضوء تاركا مساحة يوازن بين الظل والنور كلوحة فنيةٍ أراد من ورائها إظهار جماليات الصورة بحرفية تامة .
أدهشتني أيادي الأطفال وهي تحلق خارج السيارة لتبدو كأنها طيور ترفرف في الفضاء موحيا بحلمهم الجميل كي يصبحوا طيارين .
كان المخرج متوازناً في الصورة ولم نحس بالرتابة والتكرار , فهو حريصٌ على أن يقدم لنا وجبةً بصريـــةً ذهنيةً خياليةً بطريقةٍ أقرب أن تكون عفوية , لكنه قطعا كان دقيقاً وبذل جهداً في اختيار المشــــــــاهد جميعها , وكانت يد المونتاج ليث ألمجالي واضحةٌ في تجميع أشتات الصورة بطريقة حرفية لم أجد ما يعيبها .
الأداء والشخصيات :
كان ملفتا للانتباه الفنان الممثل نديم صوالحــة على غير عادته التي عهدنا هبها في أفلام أجنبية قديمة , امتلك نديم صوالحــة خبرته الطويلة في تقمص دوره ” الكابتن أبو رائد ” بطريقة تجعلنا نصدق فهلاً بأنه عامل تنظيف , وأنه إنســان يجمع ما بين الخبرة والإنسانية في أدائه الذي جاء عفويا وبدون تصنعٍ , سـاعده الماكياج على أن يبدو أشعثاً ولكنه منظم بطريقة أكثر تلقائية وعفوية وكان لاختيار أزيائه البســــيطة سببا وراء قدرته على إخفاء نديم صوالحة الممثل ليبرز إلينا الكابتن أبو رائد مكانه .
رنا سلطان تلك الفتاة الجميلة التي أقنعتنا بأدائها بأنها كابتن , فجســـــــدت بتلقائيتها وعفويها أمام البطل دورها ولم أجد فيها ما يمكن الإشارة إليه , إلا أنها كانت رائعة متألقة في التعامل مع الكاميرا فأنستنا بحضورها رنا سلطان لتبرز الكابتن نور .
غاندي صابر استطاع أن يجبرني على كرهه , وقد حضر بجبروته وهيمن على المشهد بطريقة أكثر إقناعاً , ولصوته الأجش دورٌ في إدخال الرعب على قلوب النظارة , كان متألقاً وهي مهمة صعبة زجَّ به المخرج مطالقة لإحداث توازنٍ بين فعل الشر والخير في الفيلم .
كان من أبرز الأبطالِ في الفيلم الأطفال الذين يمكنني القول أنهم اـــــــستحوذوا على أكثر المشاهد فيه , وأخص بالذكر طارق ومراد الذين كانا طبيعيين أمام الكاميرا ولم ينتابني لبـــس أبداً بأنهما يمثلان , جرأةٌ منهم الوقوف أمام ممثل مخضرم قدير كنديم صوالحة دون خوف أو تردد , كان طارق يسـتعطفنا نحو البساطة والاضطهاد الذي يقع عليه , ومراد بأدائه استطاع التنقل بين شخصيتين الأولى فيها من مكامن الشـــر ما يمكن كرهه والأخرى من معالم الخير ما أحببناه .
استخدم آستين مونتري الموسيقى في مواضعها لزيد وهج الصورة أحيانا بموســيقاه الصخبة وأخرى بهدوئها , كان يضع الموســـيقى في مكانها الذي يجب أن تكون فيه فنجح في توضيح معالم كانت ستبدو باهتة لولا تدخل الموسيقى بتلك الأجزاء .
فيلماً يحاكي مثالية الجمال بمطلقها , لم يثر ضجةً في الشـــارع الأردني أو حتى في الشارع العربي مع أنه يمكنه ذلك إن أتيح له العبور إلى الشـــــــاشة الفضية العربية بوسعها , يبدو أننا أمام سينما أردنية جادة إن استطاع القطاع الحكومي التدخل وزج طاقته في هذا المضمار . أتمنى كل الخير لكل من ســـــاهم في هذا العمل الجميل ودامت الأردن عامرة بأهلها الطيبين .

 

Share
#

التعليقات تخضع للمراجعه قبل النشر لضمان الرد عليها ..

#

الفيلم الأردني ” الكابتن أبو رائد ” نقلة نوعية في التكنيك والخطاب / بقلم الناقدة د. رنا السعودي” عدد التعليقات : 1 تعليق

  1. ghandi قال:

    اعجز عن شكركم اعزائي لمنح هذه المساحه الراقيه للحديث عن فيلمنا .. واعجز عن شكركم جميعآ وخاصه الدكتوره رنا السعودي.وانا كاحد ابطال الفيلم سعيد باهتمامكم ولكم تحيه .
    غاندي صابر
    ابو مراد بالفيلم